الشيخ محمد رشيد رضا
395
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ) أي حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك كقوله تعالى ( وَإِنَّهُ عَلى ذلِكَ لَشَهِيدٌ ) كما أن السؤال تارة يكون بالقال وتارة يكون بالحال كقوله ( وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ ) قالوا ومما يدل على أن الاشهاد حجة عليهم في الاشراك ، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قال لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه ، فان قيل اخبار الرسول صلى اللّه عليه وسلم به كاف في وجوده ، فالجواب أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره ، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الاقرار بالتوحيد ، ولهذا قال ( أَنْ يَقُولُوا ) * أي لئلا يقولوا يوم القيامة انا كنا عن هذا غافلين أي عن التوحيد غافلين ، أو يقولوا انما أشرك آباؤنا الآية » اه كلام ابن كثير وقد بسط العلامة ابن القيم هذه المسألة في كتاب الروح في سياق البحث في خلق الأرواح قبل الأجساد - فذكر الروايات المرفوعة والموقوفة والآثار فيها وما قيل من الجرح والتعديل في أسانيدها ثم قال ! - وههنا أربع مقامات ( أحدها ) ان اللّه سبحانه استخرج صورهم وأمثالهم ، فميز شقيهم وسعيدهم ومعافاهم من مبتلاهم ( والثاني ) ان اللّه سبحانه أقام عليهم الحجة حينئذ وأشهدهم بربوبيته واستشهد عليهم ملائكته ( الثالث ) ان هذا هو تفسير قوله تعالى ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ( الرابع ) انه أقر تلك الأرواح كلها بعد إخراجها بمكان وفرغ من خلقها وانما يتجدد كل وقت إرسال جملة منها بعد جملة إلى أبدانها ( فأما المقام الأول ) فالآثار متظاهرة به مرفوعة وموقوفة ( وأما المقام الثاني ) فأنما أخذه من أخذه من المفسرين من الآية وظنوا انه تفسيرها ، وهذا قول جمهور المفسرين من أهل الأثر . قال أبو إسحاق : جائز أن يكون اللّه سبحانه جعل لأمثال الذر التي أخرجها فهما تعقل به كما قال ( قالَتْ نَمْلَةٌ يا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ ) وقد سخر مع داود الجبال تسبح معه والطير . وقال ابن الأنباري : مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية ان اللّه أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب